ابن الجوزي
283
صفة الصفوة
أحدكم كزاد الراكب » « 1 » قال : فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا في بيته إلا إكافا ووطاء ومتاعا قوّم نحوا من عشرين درهما . وعن عامر بن عبد اللّه عن سلمان أنه حين حضر الموت عرفنا به بعض الجزع فقالوا : ما يجزعك يا أبا عبد اللّه وقد كان لك سابقة في الخير ؟ شهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مغازي حسنة وفتوحا عظاما . قال : يحزنني أن حبيبنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم عهد إلينا حين فارقنا ، فقال « ليكف المؤمن كزاد الراكب » فهذا الذي أحزنني . قال : فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا ، هكذا قال عامر والباقون من الرواة يذكرون الدراهم . عن أبي سفيان عن أشياخه قال : ودخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده ، فبكى سلمان . فقال له سعد : ما يبكيك يا أبا عبد اللّه توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو عنك راض وترد عليه الحوض . قال : فقال سليمان : أما إني ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عهد إلينا فقال : « لتكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب » وحولي هذه الأساود « 2 » وإنما حوله إجّانة أو جفنة أو مطهرة . قال فقال له سعد : يا أبا عبد اللّه اعهد إلينا بعهد فنأخذ به بعدك . فقال : يا سعد اذكر اللّه عند همّك إذا هممت ، وعند حكمك إذا حكمت ، وعند بذل إذا قسمت . وعن الشعبي قال : أصاب سلمان صرّة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امرأته . فلما حضرته الوفاة قال : هاتي المسك فمرسها في ماء ثم قال : انضحيها حولي فإنه يأتيني زوار الآن ليس بأنس ولا جان . ففعلت . فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى قبض . وفي أخرى أنه قال : يجدون الريح ولا يأكلون الطعام . وعن سعيد بن سوقة قال : دخلنا على سلمان نعوده وهو مبطون فقال لامرأته : ما فعلت بالمسك الذي جئنا به من بلنجر « 3 » ؟ قالت : هو ذا . قال : ألقيه في الماء ثم اضربي بعضه ببعض ثم انضحي حول فراشي فإنه الآن يأتينا قوم ليس بأنس ولا جن . ففعلت ، وخرجنا عنه ثم أتيناه فوجدناه قد قبض رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني . ( 2 ) الأسود : العظيم من الحيات وفيه سواد والجمع : الأساود ( انظر مختار الصحاح ص 320 ) ( 3 ) بلنجر : هي مدينة في بلاد الروم شارك سلمان في فتحها .